حصن الكوبرا

في يوم من الأيام، تم اكتشاف واحدة من أكثر المناطق غموضاً عن طريق المصادفة، حيث بدأت الحكاية عندما وجدت إحدى سفن المستكشفين نفسها عالقة بين صخور خليج مجهول على الضفة الغربية لشبه جزيرة نوفيرا، بفعل عاصفةٍ قوية ضربت عرض البحر، فأغرقت وحطمت العديد من السفن، وكانت تلك السفينة من السفن المحظوظة الناجية. وبمجرد وصول الناجين إلى شط الأمان، قاموا بجولةٍ استطلاعية لمعرفة أسرار هذا المكان الغامض.

بعد بضعة أيام، وصلوا إلى مشارف بحيرة كبيرة وجميلة، تطفو في وسطها جزيرة صغيرة، تحوي واحدة من أغرب المباني التي لم يشهد لها مثيل في أي وقتٍ مضى! فالهندسة المعمارية الأنيقة والغير عادية للمكان، لم تكن الأحجية الوحيدة هناك! فعندما تقدموا، وجدوا حصناً ضخماً يعلوه رأس كوبرا عملاقة.. وفي أثناء مسيرهم لم يشكوا للحظة أنها مازالت مأهولةً بالسكان، فالمكان خال تماماً، ولكن لم يكن هناك أثر للغبار في أي بقعةٍ بل كل ما فيها كان براقاً لامعاً نظيفاً!! حتى الفحم في المواقد مازال مشتعلاً، والحبر على الأوراق المتوضعة على الجدران لم يجف بعد! بدا كل شيء وكأن السكان قد غادروا لتوهم، وهم على عجلة قبل وصول الضيوف.

قضى المستكشفون أربعة أيامٍ بلياليها هناك، ومع كل ذلك الوقت، فإن الحبر على الورق لم يجف أبداً، ولم يتوقف الفحم عن الاحتراق وبقي مشتعلاً طوال الوقت دون أن يخمد أو ينطفئ، ولم تظهر أيضاً أي بقعة غبارٍ ولو صغيرة عالأرض، بدا الأمر وكأن هذا المكان متجمد في الزمن ولم يستطع أحد أيضاً تفسير هذه الظاهرة العجيبة والاستثنائية، فقد سلموا بأنها واحدة من أسرار الحصن الذي أطلق عليها المستكشفون فيما بعد اسم "حصن الكوبرا" بسبب وجود نافورة ضخمة في باحته على شكل كوبرا، تتدفق المياه من عينيها ومن أنيابها، فلم يتجرأ أحد على لمس مياهها لاعتقادهم بأنها مسمومة!

وفي اليوم الخامس وصل قارب الإنقاذ وغادر الجميع، وهم على يقينٍ بأن تلك الهندسة الساحرة، وكل الأمور الأخرى الواقعة في المكان، لا يمكن أن تكون من صنع أشخاص عاديين، فمن المؤكد وجود أيادٍ خفية قامت ببناء هذا المكان المبهر بكل ما فيه...

ساحة المبارزة

ضمت مدرسة المبارزة العديد من المتدربين على الفنون القتالية العسكرية، فقد كان المكان فريداً من نوعه سواء في طريقة بنائه أو من حيث مكان توضعه وطبيعة الشخصيات الحاضنة له، فقد جمع مختلف النفوس فمن تلك المحبة للسلام ونشر الأمن في الأرجاء، إلى المتعطشين لسفك الدماء. لكن من المؤكد أن من يتخرج منها سيكون محارباً حقيقياً قادر على سحق الأعداء، ولديه كم هائل من المهارات الدفاعية والهجومية التي لا يمكن مجاراتها...

أما ذاك المعلم فهو شخصية أسطورية... نجا من عشرات الحروب الطاحنة ومن مواجهتين خطيرتين مع أفعى الكوبرا، وهو مؤسس الفنون العسكرية الخاصة بمدرسته، التي كانت الجدار الحامي للمنطقة بأسرها. أما الآن بعدما تقدمت به السنين فقد شعر بالتعب والضجر من عالم القتال وصخبه، وخاصةً بعدما تم إرساله في آخر مهمةٍ له ونقله إلى جزيرة لقضاء فترة نقاهة مما ساعد على تسلل الملل إليه بشكلٍ سريعٍ جداً وحب العزلة والتأمل!

انقضت المدة المحددة وحان وقت العودة، وفي الطريق فكر بضرورة نقل إدارة مدرسته إلى أحد تلامذته الشجعان، وعند وصوله أعلن عن فتح باب مسابقة قتالية في ساحة المبارزة، وصرح أنه من سيتمكن من الفوز وإظهار قدراته وحنكته العسكرية، سينصب نائباً مطلقاً عنه، وستكون المدرسة تحت إدارته.

كانت الطبيعة المحيطة بالمبنى الداخلي خلابة ساحرة والأشجار باسقة ضخمة، وهندسة البناء معدة بطريقة مبدعة من الأحجار والصخور الملونة، وقد وقع اختياره للساحة نظراً لجمال تصميمها واتساع مساحتها لتستوعب هذا الحدث العظيم، حيث احتلت مرتفعاً صغيراً تحيطه صخور ضخمة، كانت الأرض مستديرة واسعة ومنبسطة وعلى حوافها تنمو أعشاب صغيرة خضراء، وقد نصبت أعلام كبيرة على كافة جوانبها، وفي منتصفها كانت الرمال الذهبية تفترش الأرض وقد رسمت ثلاث دوائر بشكل متداخل. وعند مدخلها أنشئت بوابة خشبية رائعة بتاجٍ ملكي، وحفت درجات السلالم الحجرية الواصلة بين الساحة وبهو المدرسة بعناية فائقة، ونمت الزهور الحمراء على جنبات المدخل، مشكلة من ذلك كله لوحة فنية رائعة الجمال!

كان من المتوقع أن تكون المبارزة حماسية من العيار الثقيل، فمن المعروف عن المعلم جونكا أنه ينتقي طلابه باهتمام كبير، وثم يقوم بتدريبهم بقوة صارمة بلا هوادة. جهزت الساحة بأجمل الزينات من مصابيح ملونة وأحيطت بشعلات نارية، وفرش الممر المؤدي إليها بالسجاد الأحمر، كما نصبت منصة عالية للتحكيم. اكتظ المكان بالمتقدمين يعلو وجوههم همة وحماسة عالية وتسارعت الدقات في القلوب الشجاعة، وكلٌ منهم يحلم ببلوغ هدفه والتربع على عرش القمة.

منجم البازلت

في أعماق الغابة الصنوبرية وداخل واديها السحيق المظلم يوجد منجم البازلت المشهور بدقة تصميمه، حيث يعود بناؤه لجماعاتٍ قديمة جداً، عملت فيه ليلاً نهاراً دون كللٍ أو مللٍ.

كانت الأعمدة فيه بازلتية ضخمة جداً ومدعمة بحبالٍ غليظة ومزينة برسومٍ خاصة، كما نقشت على جدرانه الصخرية البراقة رسوم وكتابات فريدة من نوعها، وأنشئت الجسور الخشبية المعلقة لتصل بين أجزائه المتباعدة وأضيأت أعماقه المظلمة بشعلات نارية وكان البخار يتصاعد من جميع أرجاء المكان ومن ثقوب الجدران أيضاً، أما الأرضيات فكانت مفروشة بمربعاتٍ من الغرانيت الذهبي اللامع فوق البلاط الحجري، وفي المنتصف رسمت أشكال هندسية دقيقة التصميم بزخارف إغريقية ومرصعة بقطع الألماس والزمرد، كما تناثرت الأحجار الكريمة في أرجاء المكان متلألئة كالنجوم في كبد السماء. وكلما توغلت بداخله فلن تشعر إلا وقد وصلت إلى ساحة صغيرة تكدس فيها الذهب والياقوت الأحمر!!

كان المكان مطمعاً للغزاة عبر أجيالٍ متوالية، أما الآن فقد أصبح تحت حماية مهندسٍ تقنيٍ ذكي وشجاع، رفض أن يترك مكاناً مهماً كهذا لقمة سائغة بيد الطامعين واللصوص. فعمل جاهداً على إنشاء نظم حماية محكمة للمكان. لكن وللأسف في إحدى الغارات أصيب إصابة مباشرة في رأسه، وبعد هذا الحادث المؤسف بدأ العمل بغرابة شديدة! حيث كان في مراتٍ كثيرة يحمل مطرقة ذات رأس حديدي ضخم، ويقوم بتكسير الأعمدة، ومراتٍ أخرى يقرأ القصائد من على الجسر الخشبي المعلق!

جعل هذا الأمر المنجم عرضة للسرقة والنهب، لكن مع هذا كله كان المهندس يعمل على إصلاح جهازٍ صناعي قديم لحماية المكان وجده مرمياً في إحدى زوايا المنجم. هذا الجهاز له خصائص خارقة وفريدة، حيث يستشعر اقتراب أي مجهولين من خارج المنجم بواسطة موجات إلكترونية معينة، كما أنه يصدر موجات كهربائية تودي بحياة كل من يتسلل لداخله، ويطلق من فوهة موجودة في منتصفه بلورات زجاجية سحرية تسبب شللاً عند الإصابة بها.

في إحدى المرات وبينما كان المهندس غائباً عن الوعي، تسللت مجموعة من المخربين أعتاب المنطقة، فجاء الرد قاسياً من ذاك الجهاز، حيث أبادهم عن بكرة أبيهم، ولكن بسبب كثرة الإشعاعات الصادرة منه، أدى ذلك إلى تضرر أجزاءٍ من المنجم. فأصبح المكان برمته جزء من أسطورة فيه من غرائب البناء والثروات الطبيعة وعجائب التقنيات الصناعية ما يفوق الخيال والتصور، وشاهداً على أن التقدم التكنولوجي سلاح ذو حدين فمن جهة يمكن أن تكون قوة هامة موجهة لخدمة العالم ومن جهة أخرى ممكن أن تجلب الفوضى والدمار.

وادي الهلاك

تروي الأساطير القديمة تفاصيل مكانٍ خيالي يطلق عليه اسم وادي الهلاك، توجد فيه أروع التماثيل والمنحوتات الفنية الرائعة العائمة فوق سطح البحيرة، والتي تغطي معظمها دون أية ركائز أو دعامات فلا يمكن وصف دقتها وجمالها وأناقتها اللافتة، ويتوسطهم حجرٌ ضخمٌ بشكل هرمي مقلوب حيث تتمركز في أعلاه ستة أعمدة مرصعة بالفسيفساء من أعلاها إلى أسفلها، ويمتد من ذاك الحجر ثلاثة سلالم خشبية لتتصل بمجموعة من الأعمدة الحجرية المشدودة ببعضها البعض ويعلوها طبقة عشبية خضراء اللون وتغطيها طبقة من الغيوم الخفيفة. يتوسط القاعدة تلك عمودٌ من النور يرتفع عالياً في السماء، وفي أسفل الحجر العجيب تتوضع أحجار وصخور بهندسة مبدعة، لتتصل أخيراً بوادٍ ناري ملتهب تتطاير منه ألسنة النيران المشتعلة. وعلى ما يبدو أن من أقام هذا المكان ليسوا أناساً عاديين، بل هم مخلوقات من مكان آخر فلا يمكن أن يكون مكان بهذه الروعة والإتقان الفني من صنع البشر!

بعد سماع الرواية السابقة قرر مجموعة من الباحثين التقاط صورٍ لوادي الهلاك المزعوم، بعد عدة أيام وصلوا فبهروا من عظمة ما شاهدوه، كانت الأعمدة السداسية الحجرية متوضعة بارتفاعات مختلفة فوق رمالٍ ذهبية على الجهة اليمنى من البحيرة، وكانت الغابات بأشجارها الباسقة تحيطها بشكل غريب وكأنها تقدم الدعم والحماية للمكان.

على الرغم من سحر المناظر وروعتها إلا أن الجو العام يفصح عن وجود أسرار قديمة مدفونة أسفل ذاك الحجر العجيب، وفي أثناء تجوالهم فوق الوادي أحسوا باختلال توازنهم وبدؤوا يفقدون السيطرة، وشاهدوا ارتفاع النيران من الأعماق السحيقة وكأنها نافورة من اللهب المشتعل، شعر الجميع بالخوف والارتباك وحاولوا الخروج من ذاك المجال واستعادة توازنهم، لكن المركبة التي أوصلتهم إلى هذا المكان بدأت تهتز وتتصدع من جميع جوانبها وتناثرت بعضاً من أجزائها مما أدى إلى تحطمها. وبحركة سريعة فتحت سترات الإنقاذ ونزلوا على سطح إحدى الأعمدة.

عندما حل الليل تلاشى الحجر الهرمي في أعماق الوادي بكل مافيه من جسورٍ وأعمدة وكأن النيران قد ابتلعته، وبعد نصف ساعة عاد الحجر ليطفو من جديد، لكن هذه المرة بدا براقاً كالذهب الخالص يشع من منتصفه عمود من النور. تساءل الباحثون عما يجري هناك فتبرع أحدهم بالمغامرة لتحري ما يجري. صعد الباحث المسكين إحدى تلك السلالم يرقبه الجميع بحذر، لكن للأسف بمجرد وصوله إلى منتصفها زالت جميع عتباتها وسقط صريعاً في الوادي.

أيقن الباحثون أن كل ما رأوه من مناظر طبيعية خلابة وأشكال فاتنة ماهو سوى حجاب لإخفاء آلية سحرية ضخمة متوضعة في قاع الوادي، لكن الأهم من ذلك كله هل سيتمكنوا من مغادرة المكان والعودة إلى ديارهم سالمين؟؟!!

غابة الموت

في يومٍ من الأيام، وبينما كان أمين المكتبة الملكية يرتب ويزيل الغبار والأتربة عن قسم الكتب الأثرية، وقع كتاب ضخم ومهترئ من أحد الرفوف يكاد يكون عمره ألف سنة. فأثار فضوله وبدأ بتفحصه واستكشاف ما يحتويه من أسرار.. قرأ بعضاً من صفحاته الأولى حتى غلبه النعاس وغط في سباتٍ عميق.

في صباح اليوم التالي، استيقظ الرجل ليجد نفسه في غابة قاتمة كئيبة وللوهلة الأولى ظن أنه في كابوسٍ مرعبٍ وبدأ يصرخ ويطلب النجدة بأعلى صوته ولكن ما من مجيبٍ سوى صدى صوته الممزوج بأنين الوحوش والأشباح.. تمالك الرجل نفسه وبدأ يستكشف المكان عله يجد أحداً ينقذه أو يعثر على طريق العودة. كان الضباب كثيفاً والرياح باردة وممتلئة برائحة الدماء، بدأ الرجل يمشي بخطواتٍ بطيئة وقدميه ترتجفان من شدة الخوف، وشعر بشيء ما يراقبه من بعيد، حتى بدت أغصان الأشجار المتكسرة كأنها تراقبه أينما تحرك. وفي أثناء بحثه عثر على قرية منازلها مصنوعة من الخشب وأعمدتها مزينة بالفسيفساء الملون وبعضاً من الرسومات الغريبة التي تشبه وجوه القرود والغوريلا. شعر الرجل بشيء من الطمأنينة ظناً منه أنه عثر أخيراً على الأمان.. ولكنه للأسف كان يتجه بقدميه نحو خطر محدق!

غدت الشعلات النارية متقدة والمراجل تغلي وكأن أحداً ما يجهز لإعداد وليمةٍ كبيرة، حالما اقترب الرجل من تلك البيوت الخشبية سمع صوتاً مرعباً يتردد على مسامعه لينذره بالخطر المحدق به، وبدأت أصوات ضحكاتٍ مرعبة تصدر من من الغابة حوله وكأنه قد وقع بمصيدةٍ ما، لذا شرع ينتظر مصيره

شعر الرجل بخوفٍ كبير وبدأ يجري ويركض من منزلٍ لآخر ليعثر على مكانٍ يختبئ فيه من ذاك الصوت المجهول.. دخل إحدى المنازل فوجد هياكل عظمية مرمية في كل مكان، فهرع نحو منزل آخر ليجد داخله جثثاً متعفنة وملطخة بالدماء.. عندها أصيب بحالةٍ هستيرية وفقد وعيه!

في اليوم التالي، استيقظ على صوت الممرضة لتخبره أنها وجدته مرمياً على أرض المكتبة ونقلوه إلى المشفى على الفور وسألته: "ما الذي حصل لك؟ أخبرنا فربما سيفيدنا ذلك في معرفة حالتك.." ولكن الرجل لم ينطق بأي كلمة وانهمر بالبكاء وبدأ يهذي ويتمتم "غابة الموت.. إنها هناك.. غابة الموت!!". لم يدرك أحداً ما الذي كان ذاك المسكين يقصده وظنوا أنه قد فقد عقله ونقلوه إلى مصحٍ، وبقي ذلك الكتاب الغامض موجوداً في المكتبة منتظراً ضحيةً أخرى لنقلها إلى ذلك المكان المرعب.

أرض العلقم

تشهد أرض العلقم حكاياتٍ ورواياتٍ متعددة حول وجود قوى خفية أو ربما سحر يسيطر على المكان، فكل جماعةٍ وطأت أرضها روت قصصاً وحكايا كثيرة.

كانت الأرض هناك صفراء جافة وكلما زرع فيها نوع من النباتات لم يكن ينمو أبداً، إلى أن جاء إلى المكان مجموعة من الناس المتجولين الذين يبحثون عن الراحة والمأوى وقرروا المكوث في تلك الأرض، وباعتبارهم ذوي خبرة بطبيعة الأراضي بسبب تنقلهم المستمر اقترح أحدهم زراعة اليقطين، وبالفعل كان ذلك وتمت زراعته. وماهي إلا أيام قليلة حتى أثمر الزرع على غير عادته وبسرعةٍ هائلة تفوق الطبيعة، أصبحت أحجامه كبيرة جداً ومثيرة للجدل لكنهم كانوا متلهفين لقطافه وأكله، فقاموا بجمع عددٍ من ثمار اليقطين الناضجة ومن ثم طهوها..

كان الجميع ينتظر تذوق طعمه لكنهم أصيبوا بخيبةٍ كبيرة فقد كان مر المذاق وغير مستساغ الطعم، أما من تمكن من ابتلاعه فقد أصيب بسعالٍ مستمر وحاد!! تساءل الجميع عن الأمر وأخبرتهم امرأة عجوز أن هذه الأرض يسيطر عليها الشر ولا يمكن العيش فيها، ولذلك لا تنمو فيها أية ثمارٍ تؤكل، وعليه يجب أن يتركوا المكان في أسرع وقت حفاظاً على حياتهم، أما الدواء لأولئك الرجال المرضى فموجود في كهفٍ عند نهاية الجسر المعلق.

وبعد مشاوراتٍ فيما بينهم عما يمكنهم فعله حيال كيفية توفير طعامهم وعن مدى صدق الرواية المزعومة، قرروا أولاً إحضار الدواء ومن ثم النظر في صحة الأمر، لكن الخيار لم يكن بأيديهم في الحقيقة فقد جرت الأحداث مغايرة لتفكيرهم وخارجة عن إرادتهم..

بمجرد عبورهم الجسر كان الليل قد حل عليهم.. وهناك سمعوا ضحكاتٍ وأصواتٍ غريبة تنبعث من ورائهم، أخذوا العشبة الموصوفة لهم وغادروا المكان سريعاً لكن الأصوات راحت تتعالى أكثر فأكثر طيلة طريق العودة، إلى أن صدموا بتحرك اليقطينات المزروعة من أماكنها وانبعاث أضواءٍ مشتعلة من داخلها واعتراضها طريقهم!!

سيطرت حالة من الذعر عليهم وبدأت أجسادهم ترتجف رغم ارتفاع حرارة المكان بشكلٍ كبير، وبعد دقائق من ذاك المشهد الخارج عن المألوف، وقع الجميع أرضاً فاقدي الوعي حتى صباح اليوم التالي.

عندما استيقظوا كانت تلك اليقطينات بمكانها وكأن شيئاً لم يحدث بالأمس، لكن الأعشاب الطبية كانت بحوزتهم، فعلموا أن ما جرى لم يكن حلماً، وفي الحال أعطوا الدواء لرفاقهم وحزموا أمتعتهم بسرعة وشدوا رحالهم لتأكدهم أن وجودهم هنا يشكل خطراً على حياتهم، وأن حكاية الشر القابع هناك ليست مجرد وهمٍ أو من محض الخيال.

حطام أمازور

كان الليل قد انتصف عندما وصل المقاتلون أمازور بعد طلبات الاستغاثة المتكررة المرسلة من حاكمها، لكن وصولهم كان متأخراً فالرماد غطى المكان والنيران قد أكلت الأشجار والتهمت ما تبقى من الأعمدة الحجرية والتي كانت فيما مضى رمزاً للحضارة والعمران.

كان الظلام يخيم على المكان ولكن حالة الفوضى بدت واضحة جداً، فبالرغم من جمال المعالم الأثرية إلا أن الدمار الذي لحق بها سرق منها رونقها ولم يبق من أمازور سوى أطلال مدينة يعمها الخراب! ترامت الأحجار المتساقطة من الأبنية كما انتشرت الجثث على المسرح الكبير ولم يعثروا سوى على ناجٍ وحيد، وعلى الفور قاموا بإسعافه ثم روى لهم ما جرى في المكان....

"في أثناء العرض المسرحي السنوي قامت جيوش من الغزاة بالهجوم المفاجئ والإغارة على المكان بسبب حدوث خلافٍ على المنطقة الحدودية المتاخمة للمكان، فشنوا هجوماً ساحقاً بغية تأديب الحاكم على رفضه عقد المعاهدة المقدمة له من قبلهم، وبعد مناوشاتٍ ساحقة بين الطرفين، تم قتل العديد من الحراس والمقاتلين وأسر الحاكم مع عدد من حاشيته"

هذا ما قاله الشاهد.. لكن الحاكم كان طيب الأخلاق ومحبوباً حتى عند جميع سكان المناطق المجاورة فلم يقتنع المقاتلون بتلك الرواية، وبدؤوا بتفحص المكان فلم يجدوا أي أثرٍ لممتلكات الحاكم الشخصية مما أثار ذلك ريبتهم وحيرتهم!!

في صباح اليوم التالي وأثناء تجوالهم بالمكان شعروا بوجود زلزالٍ يضرب المكان فثبت الجميع بمكانهم، مما أسفر عن وجود انكساراتٍ وتصدعاتٍ في مختلف الأرجاء وعندما انتهى، لاحظوا وجود شيء غريب أشبه بملابس حريرية تظهر وتختفي ٍ من إحدى الشقوق الأرضية وكأن الطبيعة أرادت إخبارهم بسرٍ ما...

اقترب أحد المقاتلون من تلك المنطقة وبدأ بالحفر لمعرفة ما تخبئه الأرض في تلك المنطقة، لكن المفاجأة كانت أكبر من المتوقع فقد وجدوا الحاكم مدفوناً بجوار حرسه الشخصي، أما أختام الحاكم وممتلكاته الخاصة فلم يعثروا لها على أي أثر!!

تلفتوا وراءهم ليجدوا الرجل صاحب الرواية المدعوة قد فر بعيداً، وهكذا اختفى الشاهد الوحيد العالم بحقيقة ما جرى هنا أو بمعنى أصح.. هرب خشية كشف حقيقته المخفية، وغدت قصة مقتل الحاكم والأحداث التي دارت في المكان الذي يقطنه مجهولةً حتى أن السبب الرئيسي لتحطيم المكان بهذا الشكل الغريب بقي شديد الغموض والغرابة.

البحيرة المتجمدة

في المياه الباردة داخل أغرب منطقة في العالم تم بناء منشأة أبحاثٍ خاصة على سطح البحيرة المتجمدة، فقد تم هناك اختراع أهم المعدات والآلات المتطورة. وكانت تجري معظم عمليات تنقية الماس والياقوت وفصل الشوائب من المعادن النفيسة، ولم يكن يسمح بدخول الناس العاديين إليها، فكل كنوز القارة موجودة فيها!

في إحدى الليالي الصافية وعند انتصاف القمر في وسط السماء صدرت إشعاعات مجهولة المصدر ضربت المعدات فدمرت أجزاءً كثيرةً منها، ثم تبعتها رياح هوجاء عاتية أدت إلى إسقاط براميل الوقود الخاصة بالمحركات الآلية والمخلفات الصناعية في المياه. وانتشرت المواد السامة في الأرجاء وتلوثت المياه بها، أما عمال المكان فقد بقي مصيرهم مجهولاً، فما من ناجين عادوا إلى المنطقة السكنية القريبة من البحيرة ليدلوا بتقاريرهم حول ما جرى.

أصبح المكان وما حوله إثر الحادثة الغامضة مهجوراً ويحفه الموت من جميع الجهات، فبسبب التلوث ذاك راحت الأسماك والحيوانات المائية تطفو على سطح المياه فاقدة للحياة. بعد عدة أيام تم إرسال بعثة استطلاعية لتحري أمر الحادثة، وعند وصولهم تجولوا في المكان ثم لاحظوا وجود حركةٍ وأصوات صادرة من إحدى المباني المرتفعة والتي لم يصبها أي ضرر!!

صعدوا السلالم بحذرٍ شديد خشية اكتشاف أمرهم وفي أثناء بحثهم داخل المبنى رأوا ضوءاً خافتاً منبعثاً من إحدى الغرف اقتربوا أكثر فسمعوا عن المؤامرة التي نسجت لتحطيم المكان والسيطرة على ثرواته، فهذا المكان هو مركز لتجميع كافة المعادن والثروات، كما تبين لهم أن من تبقى على قيد الحياة من رجالهم قد تم أسرهم ليطالبوا بفدية كبيرة من أجل فك أسرهم... وبنهاية الاجتماع قرر الرجال المجتمعون نقل كنوز القارة إلى مخبئهم السري الخاص.

كان رجال البعثة يختبؤون خلف الأشجار المحيطة عندما غادر أولئك الغرباء، لكن الصدمة غمرت قلوبهم عندما رأوهم خارجين فقد كانت أشكالهم مريبة وغير واضحة لكنها تبعث الرعب في القلوب، فقد كانوا شبه ملثمين لم يظهر من وجوههم سوى عيونهم الحمراء المخيفة، أما رؤوسهم فكانت مغطاة وظهورهمٍ منحنية تفوح منهم رائحة الموت والخطر!

غمر الخوف القلوب وقرروا مغادرة المكان حاملين معهم صوراً شتى للموت والخوف والدمار الذي شاهدوه، على أمل العودة مع قوات مؤازرة وفرق القتال المتخصصة للقضاء على أولئك اللصوص وإنقاذ من تبقى من رجالهم، ومن ثم استعادة كنوزهم قبل أن تذهب أدراج الرياح...

عرين التنين

تروي الأساطير قصة ملكٍ محبوب كان يعيش في قصره الجميل الموجود في إحدى أهم المدن الشهيرة، وكانت البلاد في عهده تنعم بالازدهار والأمان وجميع السكان يتمتعون بأقصى درجات الرفاهية والسعادة، حيث استطاع ذاك الملك كسب غنائمٍ لا تعد ولا تحصى من صناديق الألماس وجرات الذهب جراء قضائه على اللصوص وقطاع الطرق من المقاطعات المجاورة والتي راح يختزنها في إحدى غرفه الكبيرة ذات الأقفال الحديدية والشبابيك المطلة على حديقة القصر.

كان الملك مولعاُ بالجلوس في تلك الغرفة وقضاء ساعاتٍ يتأمل فيها كنوزه الوفيرة والمتزايدة بشكل شبه يومي، إلى أن لمع بريق الأحجار الكريمة من جميع الشرفات وأصبحت حديث العامة، ولم يعلم أن مصدر سعادته تلك ستتحول إلى خرابٍ ودمار عليه وعلى المكان برمته.

في إحدى الأيام المشرقة وبينما كان يشرب عصيراً بارداً وهو في حالة تأمل عميقة لممتلكاته، سمع صوت زئيرٍ مخيفٍ هز المكان بأكمله، وبدأت ملامح مخلوق ضخم تقترب من بعيد إلى أن غطى وجوده نور الشمس وأشاع في الجو حالة من الظلام الممتزجة بالخوف، بعد ذلك هبت ريح نارية ولاح في الأفق تنين عملاق ينفث نيرانه الملتهبة في المكان.

هاجم التنين القصر وأضرم النيران في أنحائه وتحول المكان الجميل إلى رمادٍ ودخانٍ، فلاذ الجميع بالفرار ونجى من نجى بينما غدا الباقين في عداد الموتى، وهكذا استولى على كل ما فيه من كنوزٍ فكما هو معروف من الأساطير القديمة عن حب التنانين للذهب والثروة، لا شيء يملأ عينيه ويطفئ غضبه ونيرانه المشتعلة سواها.

تربع التنين الغاضب على أعلى نقطة في القصر معلناً استيلاءه عليه بكل ما فيه، وبات المكان بأكمله عريناً خاصاً به فلم يتجرأ أحد منذ ذلك الوقت على الاقتراب منه، أما الملك فقد اختفى إثر تلك الحادثة ولم يعرف عنه شيء، لكن لا أحد يدري فربما يظهر من جديد ويستعيد كنوزه المسلوبة في ظروفٍ مختلفة تكون الكلمة في حينها لصالحه.

شلالات الظلام

في بقعة من مكانٍ مشهور يعرف بشلالات الظلام عاشت مجموعة من الناس بظلامٍ دائم، حيث لم تكن تشرق شمس على المكان منذ مدة من الزمن ولم يكن نورها يصل إليه، كانت تلك الشلالات تنبع من أماكن مختلفة لتصب وسط بحيرة كبيرة.

أصاب المكان حالة من البؤس والإحباط المستمر، فلم يكن هناك مصدرٌ للنور سوى من خلال الضوء الصادر عن اليقطينات الصفراء ذوات الشعلات البرتقالية الملتهبة المترامية على جنبات الطرق وحواف البحيرة، حتى تلك الأخيرة كانت أشكالها تبعث في المكان شيئاً من الرعب والخوف!

وفي إحدى الليالي توقفت مياه الشلالات عن الهبوط بشكل مفاجئ ، ولاح من بين الصخور شعاعٌ من النور، فانطلقت فرقة لتحري الأمر وإذ بصخرةٍ كبيرة تتحرك وتنفتح على مكان تشع فيه الشمس الساطعة الذهبية! لم يستطع أحد النظر إلى ذاك المكان بسبب افتقارهم للضوء الذي غاب عنهم لسنوات.. ولسوء الحظ بدأت الصخرة بالعودة تدريجياً إلى أن أغلقت منافذ النور تماماً وعاد كل شيءٍ كما كان..

عاد الجميع بخيبةٍ كبيرة فقد علموا أنهم محتجزون أو ربما واقعون تحت تأثير سحرٍ ما! ثم خلدوا إلى النوم بعد أن تملكهم حزنٌ عميق، ليستيقظوا على حفلةٍ تنكرية مخيفة، أبطالها ساحرات طويلات نحيلات القامة ذوات عيونٍ واسعة مخيفة مليئة بالشر. لم تكن حفلة بقدر ما كانت مأساة، فقد أخبرتهم الساحرات أن هذا المكان تحت سيطرتهن ولن يتمكنوا من الخروج منه ورؤية النور من جديد أو أن تعود الحياة هنا إلى سابق عهدها إلا إذا تبرع مجموعة من السكان بالالتحاق إلى مخبئهن في أعالي الجبال للعمل تحت إمرتهن وتنفيذ كافة مخططاتهن السحرية الشريرة.

ركبت الساحرات المكانس الطائرة وحلقن مبتعدين عن المكان بعد أن أعطين السكان مدة ثلاثة أيامٍ للتفكير وأنها ستكون فرصتهم الوحيدة وسيكون هذا هو العرض الأول والأخير لهم.. هكذا أصبحوا بموقفٍ لا يحسدون عليه أبداً فليس من السهل التخلي عن أحدهم وليس من الممكن أن يكملوا حياتهم في هذا المكان المظلم لكن لازال هناك بصيص أمل بالخروج من هذا المكان عبر الصخرة العجيبة تلك...

مختبر السحر

في عمق الأراضي بين التلال والصخور الجبلية تقع قلعة الخيميائيين حيث كانت ذات بناءٍ عظيم بأبراج وصروحٍ متينة عالية، وتكاد تكون مستودعاً للمعرفة الغامضة والأسرار الخطيرة للكون! حيث سكنتها مجموعة من الإناث العلماء سيطرن على المكان وقمن بالدفاع عنه وحماية أسراره وممتلكاته.

شهدت هذه الأبراج العديد من العجائب على مدى التاريخ الطويل، وكانت تشكل تهديداً حقيقياً على الوجود فقد أجريت هنا أخطر التجارب التي من شأنها تحويل أي معدنٍ إلى ذهب، لكن لتحقيق ذلك لا بد من إضافة بعضٍ من الدماء لنجاح تجربتهم الطامعة بالثروة على حساب حياة الأبرياء. فكانت خطتهن هي الخطف بطرقٍ خفية ومن ثم نقل الضحايا إلى المختبر، إلى أن قرر جماعة من الشبان وضع حدٍ لهذا الأمر الغير مقبول!

بدأت الحكاية منذ وصولهم مشارف المكان الذي غدا بأكمله كمختبرٍ عملاق لم يرَ مثله من قبل، فقد كانت جدرانه الخارجية عبارة عن أنابيبٍ يسري بداخلها مادة خضراء مجهولة النوع، كما كانت تصدر من الداخل أصواتاً غريبة لم يعرف مصدرها ولا حتى سببها، فكل شيء غامض ومريب. تفحصوا المكان بدقة وحذر فوجدوا بقايا لأشياء غريبة وموادٍ كيميائية مختلفة، بجانبها آلاف الكتب العلمية والوصفات السحرية!! فمن يدعين العلم هن بالحقيقة يمارسن مختلف أنواع السحر.

أثناء تجولهم في المختبر ولسوء الحظ اكتشفت الساحرات أمرهم وبدأت عملية المطاردة بين الطرفين، وخلال هروبهم وصلوا إلى كرةٍ بلورية ضخمة استوقفتهم والتي بدأت تعرض صور القتل وطرق السحر التي مارسنها على الأبرياء، تجمد الجميع بمكانهم والخوف يغمر قلوبهم، وفجأة امتلأ المكان ببخارٍ كثيف فغاب الجميع عن الوعي ليستيقظوا وقد كبلوا بالسلاسل بانتظار مصيرهم، وبعد عدة محاولاتٍ للهرب، تمكن أحدهم من فك قيده والتسلل خارجاً.

وعد الشاب رفاقه بالعودة سريعاً وإحضار المساعدة لهم، لكن لا أحد يدري ما الذي سيحل به وهل سيستطيع الإفلات من قبضة تلك الساحرات وتخليص رفاقه فعلاً من الموت، أم أنه سيعود أسيراً ويرتقب برفقتهم ذاك المصير المجهول...

منحدر الثلوج

بعد ليلةٍ ثلجيةٍ عاصفة، غادر العمال مناجمهم هرباً من البرد الشديد الذي سيطر على المكان وفي أثناء مسيرهم تاهوا بين الطرقات المتشعبة. كانت الثلوج تغطي الأرجاء وبحركات بطيئة متثاقلة تعثرت الأقدام فانزلق الجميع من المنحدر الثلجي فاقدي الوعي، وعندما أفاقوا وجدوا نفسهم في مدينة شبه مغمورة، تتخللها أكواخ صغيرة وقد تصاعد الدخان من مواقدها.

كان سكانها غريبو الأطوار، فمنذ وصولهم لم يتفوهوا بكلمة واحدة، لكنهم قدموا المساعدة للمصابين من العمال وأعدوا لهم الطعام ومكاناً للنوم، بدا الأمر مريباً ودخل الشك القلوب. في منتصف الليل وعندما غط الجميع بالنوم قام أحد العمال من سريره لتفقد المكان، عندها سمع همس رجال المدينة فاقترب ليسترق السمع، وعلم في لحظتها أنهم يخططون لعملية سرقة كبيرة وأنهم سيستخدمون أولئك العمال لتنفيذ عمليتهم من خلال تنويمهم مغناطيسياً وتحويلهم إلى أتباع خاضعين لهم.

أدار عيناه في المكان فوجد باباً خشبياً، وعندما انتهى اجتماعهم تسلل الرجل واقترب من الباب ثم قام باجتيازه ليجد نفسه في ساحة نجمية الشكل وقد توضعت صناديق من الذهب والياقوت فيها.. بعدها سمع خطىً من خلفه فاختبأ سريعاً ورأى مجموعة من الرجال يحضرون المزيد من الذهب، فعلم أن سكان هذه القرية هم لصوص محترفون يقومون بأمور غريبة لتحقيق أطماعهم الشخصية، ويخبؤون كل سرقاتهم هنا!! كان الرجل يكتب كل ما يحدث له في حياته بدفتر مذكراته الصغير الذي سقط منه قبل خروجه إلى الساحة... وعندما قرر الرجل العودة لإخبار رفاقه ومغادرة المكان، أودت رصاصة غادرة بحياته، ومات الرجل وقام أحد السكان بدفنه في مكانه.

لكن الحقيقة لم تدفن بعد، فلعل القدر سيكون حليف رفاقه ويتمكنوا من كشف حقيقة اللصوص الخفية والعثور على دفتره قبل أن تحل الكارثة بهم ويصبحوا تحت إمرتهم.

صحراء جونان

منذ زمنٍ بعيد كانت جماعات من الغيلان تجوب الأراضي الجرداء، وبقيت في قتالٍ مستمر من أجل البقاء على وجه الحياة، وفي كثير من الأحيان أضحت أطلال المباني القديمة مواقعاً لمستوطناتها ومخيماتها. إلى أن وصلوا صحراء جونان والتي تعتبر من أهم المناطق الصحراوية وغدت موطنهم الأساسي، حيث أنها من أكثر المناطق التي سيطروا عليها شهرةً وأهمية.

وتأتي شهرتها وأهميتها من كونها مركزاً حيوياً فيما مضى لوقوعها على الطريق التجاري بين المدن الشمالية، حيث كانت القوافل التجارية تقف هنا لتبادل البضائع والقيام بالعمليات التجارية المختلفة، ازدهرت المنطقة في تلك الفترة وامتلأت بالتماثيل القديمة التي شكلت إرثاً حضارياً مهماً، وكانت الأعمدة المزخرفة المتوسطة في سوقها التجاري شاهداً على عظمة البناء ومدى الحضارة التي كانت تنعم بها.

مرت السنين وبقي الغيلان يقطنون المكان، ولم يسمحوا لأحد بأخذه منهم، وفي أحد الأيام عثروا على منخفض وكأنه حفرة مملوءة ببقايا لأشياء غريبة الشكل، فقد ظهرت على سطحه فقاعات خضراء وصفراء اللون، وراحت تطفو على وجهه فروع لأشجار جافة، وبقايا هياكل عظمية تعلو وتنخفض بين الفينة والأخرى!! أدرك الغيلان حينها أن هناك حادثة ما حلت بالمكان، فلا بد من وجود سبب ما لتجمع هذه الأشياء الغريبة.

وفي ليلة من الليالي حدث كسوفٌ للقمر واشتد السواد، وراحت أصوات نباحٍ وأنين تعلو في المكان، فخرجوا لاستطلاع الأمر حاملين شعلات نارية لإنارة طريقهم، وبمجرد وصولهم إلى المنخفض انطفأت الشعلات، ولمعت عيون حمراء وتعالت أصوات مريبة تقترب منهم، وما هي إلا لحظات حتى انتهى الكسوف وعاد نور القمر.. لكنهم ذعروا من هول ما شاهدوه فقد تراءى لهم أن تلك الجماجم بدأت بالتحرك والخروج من حفرتها!

لاذت جماعات الغيلان بالهروب وهامت بالبراري، وأدركت حينها أنه لا يمكن لأحد الاستيطان طويلاً في صحراء جونان، وإلا سيكون مصيرهم كمصير تلك الهياكل المرمية في الحفر.

شلالات باهارا

في قديم الزمان كان هناك ملك عجوز طيب القلب يعيش في قصره المتواضع مع ابنته الوحيدة وقد أحبها حباً كبيراً، وفي إحدى الليالي مرضت الفتاة مرضاً شديداً وعجز الأطباء عن مداواتها، إلى أن قدم طبيب من مكان بعيد وأخبرهم بأنها مصابة بمرضٍ نادرٍ وعلاجه الوحيد يكمن في شرب مياه باهارا!! تساءل الملك عن مكان وجودها وإمكانية الوصول إليها، فأخبرهم بأنه يجب عليهم الاتجاه شمالاً والمسير لعدة أيام بين الجبال حتى بلوغ منبع شلالات باهارا حيث يمكن الحصول على الماء السحري، مؤكداً ضرورة الإسراع في إحضاره.

وعلى الفور انطلق الملك برفقة مجموعة من رجال القصر للحصول على الدواء المطلوب... كانت تلك الشلالات تقع في المرتفعات الجبلية الخضراء وتتغذى من الأنهار الجليدية وتنحدر مياهها من خلال الصخور ومن أفواه بعض التماثيل المنحوتة في الجبال هناك، لتنسكب صافية رقراقة في جداول صغيرة وأشعة الشمس تتلألأ من خلالها فتبدو كقطعٍ متناثرة من الألماس، هناك افترشت المروج الخضراء الأراضي المحيطة، كما تدفقت المياه بشكل قوي وراحت تشع منها هالة سحرية مثيرة، أما صوت خريرها فكان يبعث القوة والحياة في النفس!!

بدا المشهد خلاباً فاتناً فلم تر عينٌ شيئاً بمثل هذا الجمال من قبل، وقف الجميع بذهول تام من عظمة المشهد، ثم تقدم أحد رجالات القصر لاغتراف القليل من الماء والعودة به. وعند الاستعداد للعودة لاحظوا أن الملك غير موجودٍ بينهم! فالتزم الجميع مكانهم مرتقبين عودته، طال انتظارهم وحل الليل وكان عليهم العودة سريعاً لأن الطبيب أخبرهم بضرورة ذلك حفاظاً على حياة ابنة الملك.

عاد الجميع أدراجهم حاملين معهم الدواء، وتماثلت الفتاة إلى الشفاء سريعاً بفضل تلك المياه السحرية، لكن الحزن بقي مخيماً في أرجاء القصر على الملك المفقود الذي لم يعد حتى الآن...

مرتفعات البابون

في قديم الزمان، كانت الأنهار وافرة في هذه المرتفعات، ومع مرور الأيام بدأت مياهها تجف وتختفي شيئاً فشيئاً .. وتشكلت من خلالها منحدرات ومتاهات عديدة والأغرب من ذلك كله هو ظهور تماثيل شكلتها تلك المياه أثناء سيلانها بين الصخور الجبلية تعود أشكالها لقردة البابون التي انقرضت منذ مئات السنين! وفي أعلى قمة منها تشكل تمثال عملاق لها وكأنه الزعيم الأكبر للمكان. حيث ذكرت الأساطير عدة روايات عن جماعات القرود التي سكنت في تلك المنطقة والتي كانت تحكم المكان، لكن زلزالاً هائلا هز المنطقة فدمرها وقضى على جميع أفرادها.

مضت السنين ولم يسمع أحد أية أخبارٍ عن ذاك المكان المغمور، إلى أن وصل أحد الرحالة المستكشفين إلى هناك عن طريق المصادفة في أثناء إحدى الرحلات. كان المكان كلوحةٍ فنية صنعها فنان محترف تبدأ من ممرٍ عشبيٍ طويل يمتد ليصل إلى المرتفعات، وتقف على أطرافه تماثيل البابون الصغيرة وكأنها ترحب بالضيوف القادمين، وترامت الصخور والتروس الحديدية على جنباته بشكلٍ غريب وغير منتظم، وفي نهاية الممر ينتصب عامودان حجريان عند مدخل المرتفعات بشعلتين ناريتين على شكل رأسي بابون لم تنطفئا بعد! كما توضعت أشجار النخيل باسقة في جميع الأنحاء، أما على المنحدرات الجبلية فقد نحتت التماثيل بدقة وإتقان، هذا بالإضافة لمناخ المنطقة العام المسيطر على المكان والذي أضفى مزيداً من السحر والغموض!

كتب الرحالة تقريرهم ثم عادوا بعد بضعة أسابيع برفقة مجموعة من الخبراء للحصول على براءة اكتشاف للمكان الذي لم يسبقهم إليه أحد، لكن بمجرد وصولهم هناك انتشر غبارٌ كثيفٌ وحول السماء إلى لون أحمر وردي وأصبحت الرؤية شبه معدومة، ولم يتمكن أحد من رؤية شيء على الإطلاق، ثم دوى صدى أصواتٍ عالية امتزجت بالرياح العاتية، وكأن كل شيء يرفض أولئك الدخلاء القادمون لاكتساب المجد والشهرة ويطلبون منهم المغادرة على الفور قبل أن تزداد الحال سوءاً.

حاول الجميع المقاومة لكن دون جدوى فقد كانت قوى الطبيعة أقوى منهم، فعادوا أدراجهم ولم تسجل أي إحداثياتٍ جديدة عن مرتفعات البابون، وبخيبةٍ كبيرة استسلم الرحالة وشعروا أن ذاك المكان له خصوصيته التي لن يسمح لأحدٍ باكتشاف أسراره وخفاياه...

مقلع الحجارة

على محاذاة أحد البحار أقامت جماعات من المهندسين مركزاً خاصاً بهم، كان عبارة عن مبنى حجري ذي ارتفاع منخفض ويكاد يكون مجرد أسوارٍ يحتضن بداخله مجموعات هائلة من التماثيل المختلفة الأحجام والمتشابهة الأشكال والتي تبدو كبقايا صامتة من المحاربين الحجريين! ومما لا شك فيه أنها ترمز لشيء مهم بالنسبة لهم!

أما في الداخل فقد حافظوا على معظم المعالم الطبيعية، فبقيت الأرض يفترشها المرج الأخضر والأزهار وعمدوا إلى وضع شعلاتٍ ناريةٍ ضخمة في أعلى الصخور لإنارة الممرات. أما أكثر ما يميز هذا المكان فهو معداته الحربية، فهناك وبالقرب من الشاطئ أقاموا دعامات خشبية مثبتة على الصخور المترامية حوله، ووضعوا آلة ضخمة وغريبة الشكل أطلقوا عليها اسم المقلاع الحجري، وظيفتها الأساسية حماية المكان من الهجمات البحرية، حيث تمت صناعتها من الفولاذ المقاوم السميك، ولها أربع عجلات خشبية ضخمة للتحكم بقيادتها ونقلها بسهولة، وترتفع عالياً ببكرة متينة تقوم بحمل الصخور وقذف الأعداء بها، وعلى الرغم من بدائية التصميم إلا أنه من أهم المعدات وأكثرها قوة وفعالية.

كما أنشأ المهندسون أيضاً ممراتٍ سريةٍ خلال الطرق الضيقة الواصلة إلى كهفٍ صغيرٍ مليء بالذهب والألماس والذي أصبح هدفاً للغزاة الطامعين.

في يوم خريفي وبينما كانت الغيوم منخفضة رمادية منزلقة على طول السماء الباهتة، هبت نسمات بحرية حارة وشعر سكان المكان بأمرٍ سيءٍ على وشك الحدوث، وماهي إلا ساعات حتى قام القراصنة بشن هجومٍ عنيفٍ، لكن الرد عليهم كان أشد قساوة، فقد تصدى الجميع للهجوم وأمطروهم بوابلٍ من الحجارة ورموهم بشعلات ناريةٍ مما أدى لتدمير سفنهم وحرق أشرعتهم..

هكذا فقد قام ذاك المقلاع بعملٍ بطوليٍ عظيمٍ ووفر الكثير من الجهد والعناء على المقاتلين واختصر جولات ومناورات. وربما كان السبب الرئيسي وراء كل تلك القوة الغريبة والنصر الساحق مستمداً من التماثيل الحجرية المنتشرة في كل الأرجاء.

حلبة الملوك

تعتبر حلبة الملوك ذات موقعٍ هامٍ ومنفرد وتأتي بالمرتبة الماسية بين ساحات القتال المتميزة، والتي يقام فيها منافسات ومباريات كبرى بين القادة والسادة المحترفين. فهناك شروط وأساسيات لخوض غمارها والاشتراك بمبارياتها ومن ثم الحصول على غنائمها النفيسة، فقد كانت محطة المبارزة الأخيرة بين المتنافسين الكبار.

تقع الحلبة في موقعٍ استثنائي جداً فهي تتمركز على فوهة بركانٍ تحيطها النيران المستعرة من جميع النواحي، ولا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق بوابة سحرية موجودة على كتف شلالٍ غزير تنقلك عبرها، ولا يبلغها إلا أشجع الفرسان.

في اليوم المحدد للمسابقة الكبرى والمعلن عنها سابقاً، وصل المكان أولئك المتمكنين من المراوغة والثبات والقوة. كانت الحلبة مستديرة الشكل وعلى حوافها توجد مدرجات كبرى، وقد نصبت الأعمدة الرخامية المرصعة بالأحجار الكريمة على جوانبها، أما بلاطها فكان من الحجر اللامع والمنقوش، يزينه الذهب على شكل أشرطة طويلة ممتدة بشكل متواصل فيما بينها، كما نصبت الكثير من الشعلات ضمن قوالب نحاسية، وغطى سماؤها سحباً من الكبريت مما أعطى المكان طابعاً خاصاً. يتوسط الحلبة نجمة كبيرة تنفصل عنها وترتفع عالياً بواسطة قوى مجهولة، تتطاير على جنباتها ألسنة نارية كثيفة ويعلوها كرة ملتهبة، وعلى الرقعة النجمية تلك تكون المواجهة الحاسمة.

قرع ناقوس المعركة معلناً البداية بين الفرق المتصارعة.. كانت المعارك شديدة المنافسة فالنزول عبر المدرجات وتفادي الحمم والمقذوفات النارية المترامية لا يعد أمراً سهلاً ابداً، حيث لقى العديد مصرعهم قبل الوصول إلى ساحة المعركة النهائية حيث كانت الأرضيات البراقة الجميلة كمرجلٍ يغلي على موقدٍ من النار.

فلا يمكن كسب المعركة من خلال التخطيط العسكري أو الاستراتيجي فقط، ولا يكفي أن تكون ذا حنكةٍ ودراية بأمور القتال وإطلاق النار ولن تكون الغلبة من خلال وضع المدافع بالأماكن المناسبة ولا بنصب الألغام والمصائد للعدو، بل يجب أن تتمتع بقوة تحملٍ فائقة وصبر شديد على حرارة المكان المستعرة.

إنها منافسة شرسة وقاسية بين قوى مختلفة وغاياتٍ متباينة.. بين من يطمح إلى المجد والسلطة ومن يحلم بالثروة والمال، أما الكلمة الفاصلة والحاسمة ستكون للأفضل والأقوى فقط...

قرية العمالقة

يحيط بقرية العمالقة بحيرات طينية كثيرة مما يجعل الدخول إليها مهمة صعبة للغاية، حيث أوكل حاكم المقاطعة الشرقية المهووس بالجمال لفرقة الحرس الشخصي لديه أمراً بالتوجه إلى تلك القرية، وذلك من أجل إحضار نبتة طبيعة يمكنها المحافظة على شبابه كما أنها تهب القوة والصحة الجسدية لمن يستخدمها وهي غير موجودة إلا هناك.

كانت القرية صغيرة الحجم تتربع على مرتفع جبلي وتطل على غابات الأرز الشديدة الخضرة.

بعد مشقة وعناء لعبور تلك البحيرات الطينية والتي تعيق كل من يرغب بالدخول إلى تلك القرية، وصلت الفرقة المكان. كان كل ما فيها مصنوع من الخشب ومن جذوع الأشجار وتتوضع البيوت فيها بشكلٍ لولبي فوق بعضها البعض بارتفاعٍ ملحوظ. شرعت الفرقة بالبحث عن المستخلص المطلوب وأثناء تجولهم كانت سعف النخيل تغطي مساحات من الأراضي، وما تبقى منها غدا مفروش ببساطٍ عشبي أخضر اللون. بدؤوا الصعود إلى تلك البيوت التي تتخللها حدائق صغيرة، وعند مدخل إحداها كانت هناك نباتات عملاقة ذات أشكال مخيفة، وبمجرد ملامستهم إياها تحركت وفتحت فمها الضخم ونفثت مادة سامة بوجه أحدهم مما أدى إلى إصابته بالشلل التام، والتقطت نبتة شرسة أخرى رجلاً عريض المنكبين وقامت بعصره كأنه حشرة صغيرة ومن ثم ابتلعته ولم تترك منه سوى ساعده وخوذته الحديدية!!

لسوء حظهم فقد وجدوا أنفسهم بمواجهة خطرة مع تلك النباتات المفترسة، فقد حاول من تبقى منهم الهروب من شركهم وبالفعل تمكنوا من ذلك، لكن ليجدوا أنهم ضحية شبكة من الأفخاخ والألغام المتوضعة على الطرقات.

تقدم خبير الألغام الفرقة وأعطى توجيهاته بالمسير، لكن ذلك لم يأت بنتيجة فقد انفجرت مجموعة من الألغام وخسروا اثنين منهم أيضاً، ومع ذلك استمر من بقي على قيد الحياة منهم بالبحث إلى أن وصلوا إلى أسفل ممرات ضيقة وفتحت أمامهم بوابة ضخمة كان وراءها منزل خشبي جميل، تغطى سقفه بالقش وأوراق الأشجار وإلى جانبه حوضٌ كبير يحوي بداخله مياه خضراء تنبعث منها رائحة واخزة، وأحسوا على الفور بشيءٍ ما يسري في عروقهم ولحظهم العاثر وقعوا تحت تأثير المخدر السام المنبعث من الحوض.. في تلك الأثناء خرج رجل ضخمٌ يحمل بيده فأس ضخمة، وصاح بوجههم: " كيف تجرأتم على الدخول إلى هنا!!" وبلمحة بصر تجمع الكثير من الرجال المخيفين وانهالوا عليهم ضرباً، وبالتأكيد لم يتمكنوا من الإيتاء بأي حركة حيث لاقى أغلب الحراس مصرعهم هناك، وعاد من نجى منهم بالأنباء إلى الملك.

عندها حزن الملك أشد الحزن... لكن ليس على حراسه المساكين ولكن لأنه لم يتمكن من الحصول على تلك النبتة الفريدة!!

سرداب الأقزام

"ظهرت قوة جديدة في العالم وانتشر نفوذها في جميع أنحاء القارة كنوع من الأمراض السارية، إنه علم الآلات الفتاكة وقوة المسننات الفولاذية، فأصبح الوحش الصناعي أهم وأخطر شيء يمكن حدوثه. لذلك فإن العالم غارق بحروب وصراعات دائمة لجعل الكفة تميل إلى صالح طرف معين، كي تكون كلمتهم هي العليا، كما يعتقد الكثيرون أن ذلك هو السبب الرئيسي لجميع مشكلاتنا العصرية ونزاعاتنا الاقتصادية"

كان ذاك الخبر آخر ما سمعه أقزام الغابة قبل انطلاقهم إلى أعمالهم اليومية، فعلت وجوههم ابتسامات عريضة، تدل على الارتياح والفخر، فلم يكن أحد يلم بأمور الهندسة في ذلك الوقت سواهم. فهمس أحدهم: إنه خبر صحيح وليس من محض الخيال، وستكون هذه القوة ملكنا وحدنا!

ذهبوا إلى سردابهم الطويل الذي لم يعرف له نهاية، حاملين على ظهورهم معاولهم الحادة البراقة، وأكياس كبيرة من الخام الأبيض التي تدلى من أعلاها حبال صغيرة لضم الكيس بعد تعبئته بالذهب والماس. تخلل السرداب مسارات وطرقات متفرعة، كل منها يفضي لمكان معين، ولكل مسار هناك سكك حديدية محكمة، وجدرانٍ وأعمدة حجرية رائعة البناء ذات هندسة ساحرة، وكأنها قصر من قصور الملوك، حيث أنيرت بشعلات نارية هائلة، أما الطرق جميعها فكانت تفضي إلى بهوٍ واسعٍ، ذي تصميم مميز وفوانيس كثيرة، وبخارٍ كثيف يتصاعد من الأسفل عبر فوهات بلورية، وفي منتصف البهو يوجد جسر معلق يصل بين طرفي السرداب، تتطاير من تحته ألسنة النيران الحارقة من أعماق سحيقة مخيفة. كانوا يمشون بخطىً واثقة وهمة عالية، لا يهابون المخاطر القابعة هناك. كانوا أشبه بتحالفٍ متين لا تهزه ريح.

بعد ساعاتٍ من العمل الشاق، سمعوا أصوات أناسٍ قادمين من البوابة، وبلمح البصر تجمعوا واعترضوا طريقهم ودار قتال فيما بينهم لمحاولتهم دخول منطقة الأقزام الخاصة بعملهم، فقد أرادت تلك المجموعة اكتشاف ما يخبه ذاك السرداب الغامض وكشف خفاياه وحسب توقعاتهم فإن ذلك سيجعلهم حديث الساعة، لكن الأقزام وقفوا لهم بالمرصاد ولقيت تلك المجموعة من المتطفلين حتفها على أيديهم... بعد ذلك تبسم أحد الأقزام هامساً "إنها القوى الخفية".

آثار بابل

يعد هذا المكان من أبرز المواقع الأثرية وأعرقها في التاريخ فقد كان عاصمة المملكة البابلية قديماً. شهدت الآثار القديمة هنا العديد من التطور والتقدم، حيث ازدهرت بشتى أنواع العلوم والمعارف والفنون فضلاً عن كونها مركزاً تجارياً لا مثيل له في ذلك الزمان. باتت تلك المملكة الآن أطلالاً لم يتبق منها سوى حجارة صماء تكسوها رمال الصحراء الملتهبة التي عاصرت ذلك الوقت الذهبي.

ولكثرة ما روت الأخبار عن جمال ما تبقى من آثارها ورموزها القيمة فقد حاول العديد من علماء الآثار اكتشاف أسرارها الدفينة ما بين أعمدتها وفي صلب حجارتها الضخمة الشهيرة، لكن كل تلك المحاولات باءت بالفشل ولم يتمكنوا من الوصول إلى تلك المنطقة، فحسب ما هو مذكور في الروايات القديمة أن الطريقة الوحيدة لبلوغ المكان هو عبر بوابات الزمن المتوزعة ما بين بوابة الغابة الأسطورية وبوابة أخرى موجودة في المرتفعات الثلجية.

لذا كان لابد من إسناد المهمة للمقاتلين الأبطال الذين يعشقون المغامرة ولا يهابون المخاطر، فالسفر عبر البوابات تلك يلزمه قوة وثبات، ومما لا شك فيه يجب التمتع بفنونٍ ومهاراتٍ قتالية مميزة فالطريق محفوفة بالمخاطر.

وبعد عدة تجارب للمقاتلين... تمكنت أخيراً مجموعة منهم أن يعبروا الطريق بسلام، ولكن المفاجآت هناك كانت بانتظارهم فأشعة الشمس الحارقة المنعكسة على الرمال الملتهبة لم تمكنهم من ملامسة أياً من تلك التماثيل الغريبة والمدهشة. لكنهم تمكنوا من فك بعض الرموز الأثرية التي تشير إلى وجود كنز بابل العظيم مدفوناً تحت المومياء الكبرى، تحرك الجميع بلهفةٍ إلى المكان المذكور بغية الحصول على ذاك الكنز، لكن بمجرد اقترابهم من المكان عصفت ريح هوجاء أخرجت الثعابين الضخمة من أوكارها وكأنها تدافع عن سر المدينة المدفون منذ آلاف السنين.

وبالفعل لم يستطع أحد منهم الصمود فقد قتل العديد وعاد الباقون منهم يروون قصصاً عن جمال وسحر ما رأوه من آثار، وعن أغرب مواجهةٍ قتالية مرت عليهم في حياتهم حيث كانت الطبيعة هذه المرة هي خصمهم في حماية أسرار المدينة التاريخية.

المدينة المنسية

في الأيام الغابرة، كانت هذه المدينة مكاناً لاجتماعات هامة من كبار القادة والأمراء، يعقد فيها الاجتماع الأكبر مرة كل سبع سنوات في المجلس الأعلى... حيث تقام الاستعدادات الكبرى لهذا الحدث العظيم.

كان صوت اصطكاك النحاس يصدح عالياً حتى يبلغ أعلى جبال المنطقة المحيطة، بمثابة فرمانٍ رسمي لاستدعاء سادة القوم، وشيوخ مختلف العشائر القوية والقادة العسكريين إلى المجلس. أما مصدر ذاك الصوت فهو قادم من ناقوس ضخمٍ مستديرٍ، منصوب بين عامودين من خشب السنديان المتين ومثبت بحبال خشنة ومرفوع بواسطة سلاسل حديدية عملاقة لتتحمل ثقله الكبير. كان مليئا برسومٍ قديمة منتقاة بعناية بالغة، فينبعث منه صوتاً رناناً، يستحق عظمة الحدث الذي يقرع من أجله!

كل تفاصيل هذه المدينة، هو غاية في الجمال والإبداع. ناهيك عن أعمدتها ومنحوتاتها الفنية الرائعة لحكام وشخصيات مهمة كلها متجمعة في ذاك المكان. أما الطرق التي تصل إليها فهي عبارة عن ممرات جبلية ضيقة وسرية، مليئة بالسراديب المظلمة في قعر الوادي، والتي لابد من عبورها للوصول إلى أعتاب المدينة. والشيء الأكثر غرابةً! هو أنه بمجرد وصول كل المدعوين، تعود الترس النحاسية لتقرع مرةً أخرى، فتبدو تلك المنحوتات وكأنها أصبحت هي أيضاً مستعدة لحضور هذا الاجتماع...

كان هناك تحذيرات كتبت في مخطوطات خاصة والتي من المقرر أن تحرق بعد سبع سنوات، في يوم الاجتماع المقبل، تتحدث عن زوال هذه الإمبراطورية بعد مئة عام، وأن هناك حرب طاحنة ستشن على المدينة، وسوف تسقط بعد ثلاث هجمات، وعليه سوف يسلب من المكان جماله الساحر، ويتحول سكونه الرقيق إلى فوضى عارمة، وهذه الخضرة الغناء إلى صحراء قاحلة. كما ذكرت أيضاً مصير إمبراطورهم العظيم الذي سيتحول إلى غولٍ ضخم يهيم في الصحراء، لكن دون ذكر السبب!

لعل هذا كله هو مجرد أسطورة، وواحدة من الروايات الكثيرة التي لا تزال تعيش بين الناس وتتداولها الأخبار، لكن ذلك ما عثر عليه منحوتاً على جدران المدينة المنسية، وبعضاً من صخورها الموجودة في إحدى زواياها الغامضة.

أدغال الصنوبر

كانت أدغال الصنوبر والقرى التي حولها حديث الناس عامة وشغلهم الشاغل، لما كان يدور حولها من رواياتٍ وحكاياتٍ مثيرة.. وكان هناك شاب يحب المغامرة، ففي صباح أحد الأيام حزم أمتعته واتجه مع رفاقه إلى الأدغال. كان الهواء فيها رطباً وثقيلاً، تملؤه الحشرات التي تتساقط من كل حدبٍ وصوب. بدا الغطاء النباتي كثيفاً جداً لدرجة أن خطواتهم كانت ثقيلة وتتطلب منهم بذل عناءٍ كبير! أما النباتات اللاحمة فكانت ضخمة ومخيفة، تنمو في كل الأراضي الرطبة تقريباً، مما أجبر أولئك المغامرون على أن يكونوا بحالة تأهبٍ مستمرٍ. لكنهم لم يدركوا أن ذلك كله ما هو إلا البداية فقط، إلى أن حل ليل ذاك اليوم الطويل....

كانت الشمس على وشك المغيب عند وصولهم إلى القرية المجاورة، والمكان برمته في غاية الغرابة! حيث انتصب تمثال خشبي ضخم لقرد المستنقع على مدخلها، وجذوع الأشجار المتكسرة تتوضع فوق بعضها البعض تمر خلالها السناجب والأرانب. والقرود تتدلى من أعلى الأشجار وأخرى تقفز من مكان لآخر. وفي أعلى فروع وجذوع الأشجار الكبيرة كان هناك هياكل غريبة الشكل متوضعة عليها... من الواضح أن السكان قد غادروا المكان قبل فترةٍ طويلة من الزمن، إذ كانت الأكواخ مهجورة ومتآكلة، كما انتشرت الثقوب في الجدران وتشكل العفن وانتشرت شبكات العناكب الكثيفة على أبوابها.

توقف المغامرون للتخييم وأخذ قسطٍ من الراحة، وفي المساء قرروا اصطياد شيء ليأكلوه فذهبت مجموعة من الفتيان لكن الانتظار طال وبدأ الفجر يلوح بالأفق ولم يعد أحدٌ منهم! انطلق من تبقى منهم للبحث عنهم، لكنهم لم يعثروا سوى على حقيبة تعود لأحدهم، أحسوا بالخوف يسري في قلوبهم فلا شك أن أمراً قد حدث لهم.

وفي أثناء تفقدهم المكان عثروا على عجوز في أحد الأكواخ وكانت تشتكي من التعب فدخلوا لمساعدتها، وبعد مرور وقت يسير كانوا قد أعدوا لها الطعام وعندها لاحظ أحدهم وجود باب صغير خلف صناديق مكدسة فوق بعضها، فشعروا بوجود أمر غريب وسر تخفيه العجوز خلف ذاك الباب، وعندما حاولوا الاقتراب منه لفتحه انتفضت العجوز من سريرها، لقد كانت عيونها شديدة السواد ومخيفة، وبدت كتلك الساحرات اللواتي يحكى عنهن في القصص الخيالية، سارعوا للخروج من الباب الرئيسي للكوخ والابتعاد عن القرية الغريبة بأكملها قبل أن يصبحوا في طيات المجهول كحال رفاقهم الذين لم يتمكنوا من معرفة ما حل بهم أو التأكد من أنه ليس لتلك العجوز يد باختفائهم أم لا...

برج الذهب

"مكان يكاد يكون من وحي الخيال أو القصص الخرافية، بمجرد التفكير في جماله وروعته سينتابك شعور بالسعادة العارمة، وتبدأ بتخيل أروع الصور الفاتنة، فكيف إذا وقعت عينك عليه حقيقةً، وأية رهبة ستتملكك عند مشاهدته. إنه أشبه بقصر كبير من الرخام والغرانيت اللامع، والذهب الخالص الذي يغطي كل مكان! تتوضع في وسط القاعة الرئيسية نافورة عملاقة، تتدفق المياه من أعلاها لتنسكب كالفضة البراقة على صفحة البحيرة البلورية، والتي يتخللها الضوء عبر قبة زجاجية ملونة تنسدل فوق النافورة بدقة متناهية لم يعرف لها مثيل!!"

هذا ما وصفه طبيب المقاطعة للرجل الذي أنهك المرض زوجته.. ثم أضاف قائلاً: كل ما عليك فعله هو الوصول لتلك النافورة والحصول على قارورة من مياهها، وسيكون الشفاء كامنٌ فيها. لكن إياك وأن يغمر الطمع قلبك، أو يدخل الجشع إلى نفسك!! فالمكان الجميل يتحول بلمح البصر لمقبرة لك، وتكون نهايتك هناك. فكل من تتملكه تلك المشاعر تتحول عيناه إلى لؤلؤتين، وجسده إلى تمثالٍ من الذهب. فذلك البرج محمي بقوة سحرية غامضة تعاقب كل من يملك في قلبه ذرة من الطمع.

عاد الرجل سريعاً من هول وروعة ما شاهدته عيناه.. وأخبر الطبيب أنه بمجرد وصوله إلى هناك، بدأ الذهب يلمع في عينيه وتذكر تحذيراته، وأضاف قائلاً: كان أغرب مما رسمته في خيالي، لم أتصور أن هناك شيئاً بهذه الرفعة والجمال موجود على بقعة من بقاع الأرض. لذلك عدت أدراجي خائباً، خوفاً من أن تتملكني رغبة الثراء وحب المال، وأفني نفسي، وأخسر زوجتي....

امتلأت العيون اليائسة بالدموع. فأحس الطبيب الصدق في قلب الرجل ورغبته في شفاء زوجته، ولكنه يعلم أن النفس البشرية ضعيفة أمام كل تلك المغريات. عندها قرر مساعدته، وأخبره عن مكان خزنة سرية، مغطاة بورقٍ كثيف من أشجار التوت، وبداخلها قوارير معبأة من مياه النافورة. لكن ما من طريقة للوصول إليها إلا من خلال عبور برج الذهب.

ازدادت ضربات قلب الرجل المسكين، فالطريق محاطة بالمغريات، والمغامرة خطيرة. خيم الصمت المكان... ولم يتفوه أحد بكلمة، ثم قطع السكون صدى آهات الزوجة المسكينة. هنا حسم الرجل أمره وانطلق، حاملاً معه مخاوفه وأفكاره المشوشة.

وأتبعه صوت الطبيب، هون عليك! فأشياء سارة تنتظرك هناك...

قصر الإمبراطور

تروي الحكايات القديمة قصة إمبراطورٍ ذائع الصيت فاحش الثراء، قام ببناء قصرٍ فاخرٍ له، حيث اعتمد في تصميمه على الطراز الصيني، فنصبت الأعمدة الخشبية المزخرفة، وتوضعت الصخور البازلتية في مختلف الأماكن والأرضيات، مشكلة قصراً ملكياً غاية في الجمال الفني والإبداع الهندسي. وختم تلك اللوحة الفنية بشعارٍ ذهبي لامع على هيئة تنينٍ عملاق، قام بوضعه في مدخل القصر. كانت الشمس تسطع على ذاك الشعار منعكساً على المياه، ليتلألأ براقاً على صفحتها الهادئة، ولعل هذا كان سبباً فيما آلت إليه الحال فيما بعد...

عاش سكان تلك المنطقة حياة هادئة، إلى أن أصاب المدينة حالة من الفقر والجوع واقتصرت مظاهر الرفاهية على سكان القصر فقط ولم يبد الملك أي تعاطف أو مساعدة لهم، مما ولد حالة من الاستياء والرغبة في الانتقام، فتجمعوا وأعدوا عدتهم لاقتحام القصر ودارت مناورات كبيرة عند مشارفه مما أدى إلى انقلاب شعار التنين وسد مدخله، فلم يعد بالإمكان لأحد الدخول إلى القصر أو حتى الخروج منه.

عاد السكان أدراجهم بخيبة فلم يتمكنوا من الحصول على بعض الذهب لشراء قوتهم، وبعد عدة أيام قام الملك بإرسال نداءات استغاثة فقد نفذت مؤن الطعام لديه، يطلب فيها العون من الناس وإزاحة الشعار الذي احتل المكان وكأنه يعاقب الملك على طمعه وإهماله لشعبه، وخصص جائزة كبرى لمن يتمكن من إنجاز المهمة، لكن لم يبال أحدهم به فقد ترك شعبه فريسة للجوع عندما كان ينعم بالرخاء.

ومما زاد الأمر سوءاً انتشار وباء قاتل بين سكان البلاط، حيث بدأ يفتك بهم واحداً تلو الآخر، وفي ظل انقطاع القصر عن العالم الخارجي وعدم القدرة على إحضار أي طبيب أو إدخال الدواء ظل أمر الامبراطور مجهولاً، في انتظار من يدخل أعتاب القصر ويكشف حقيقة ما يدور هناك.

الدعم
© 2018 Game Power7. جميع الحقوق محفوظة